قناة بدر آل مرعي
58.5K subscribers
89 photos
13 videos
27 files
102 links
البريد الإلكتروني

[email protected]

غالبًا أتأخر في الرد لانشغالي.
Download Telegram
مقتضى الصدق أن ننظر لكل سؤال حول غيابنا عن أحداث الأمة بعين المقصّر الذي يسأل الله العفو والفرج؛ أما الدفاع عن النفس ولمز اللائمين بالمزايدات= فلا أظنها إلا حيلة تسكين للضمير يتجنبها التقي، ويتسامى عنها الصادق النقي.
اللهم لا تجعل علمنا وبالًا علينا، وأعذنا من تقديم حق النفس على حق الحق وإن كرهنا.
أكثرُ الوعي ليس اكتشافَ أفكارٍ خارقة، بل العودة إلى البديهيات القديمة، لكن بعد أن تدفع ثمنها من عمرك.

تسمع في صغرك: “العلم نور”، “الناس تبحث عن مصالحها”، “لا تعطِ قلبك لكل أحد”، "لا تثق بسرعة"؛ فتظنها كليشيهات مستهلكة يرددها العاجزون عن التفكير. ثم تبدأ رحلة الاعتراض: تناقش، وتستثني، وتتمرد، وتظن أنك أبصرت ما لم يبصره السابقون.

ثم تمضي بك الحياة؛ تخذلك التجارب، وتؤدبك العلاقات، وتكشف لك الأيام ما كانت الكلمات القديمة تختصره في سطر واحد، فتعود أخيرًا إلى الجملة نفسها، لكنك هذه المرة لا ترددها تقليدًا، بل تقولها تحقيقًا ولك في إثباتها ألف جرح، ومئة موقف صادم، وخيبات لا تُعد، ومعرفة ثقيلة ثقيلة.

ولهذا فدورة الحكمة البشرية عجيبة:
جيلٌ يورث الحكمة مختصرة، وجيلٌ يرفضها لأنه لم يدفع ثمن فهمها بعد، ويظنها تقليدًا يمكن كسر إطاره باستثناءات، ثم لا تلبث الحياة أن تعيده إليها من الباب نفسه، ليورثها لمن بعده، وتبدأ الدورة من جديد؛ فيا لضعف الانسان وغلبة أوهامه.
الزهد يقين بعدل الرزاق وتحقيقٌ لفقه القدَر على وجهه؛ لذا صار ذروة العقل وصفاء القلب.
أما كونه ذروة العقل فلأن الزاهد قدّم الباقي المؤجل على الفاني المعجل، والذي يختار الأنفع على الأمتع عاقل.
وأما صفاء القلب فمن يئس مما في أيدي الناس وقنع بما هو فيه لم يحسد، ذلك أن الحسد قائم على فكرة الإمكان والفوات؛ فمن أسقط ركن إمكان أن يأخذ مكان المحسود -وذلك لإيمانه بعدل الرزاق- وأسقط ركن الشعور بأن هذا من الرزق الذي فاته- لإيمانه بفقه القدر- =سقط الحسد من قلبه بالكلية.
اهتديت بعد عشرين عامًا من غياب سيدي الوالد-رحمه الله- إلى حيلة قاسية أسكّن بها شوقي إليه؛ وهي التفكير بأن الحزن الحقيقي به قدرٌ من الأنانية، فأنا أستذكره حين أنكسر وفي داخلي صوت يقول: ليته بقي ليحميني، ولمَ رحَل وقت حاجتي له، وكلها أنظار في حظّ نفسي منه، وكأن الحزن على الراحل حزن على حالنا بعده لا عليه، وكل الرثاء الذي يستقطر المآقي، ويستمطر العبرات، ماهو إلا صورة من رثائنا لأنفسنا التي بقيت بعد ثواء من نحب.
وهكذا أستمرّ في التذاكي على نفسي وأحزانها حتى يأتي يوم التروية، ذكرى وفاته التي هزتني، فتصبح فكرتي السابقة هباء كمسارّة الأصم، ليذهب كل زعم كنت أواسي به رفاقي من أن لكل غلوٍّ سلوّ، فهذا اليوم يعلمني أن حيل المتسالين كوحش قُلّمت أظفاره وقت السعة فعاد يوم الذكرى أحدّ ما يكون.
لقد تدثر حزني على سيدي الوالد هذا العام بثوب جديد؛ ما عدتُ أحدث نفسي ببقائه، بل صرتُ أميَل إلى تخيّل اللحاق به في خير وعافية وحسن أثر.
وإني لأعلم أن خير ميراث أبقيه في الناس ليس الكتب ولا الدروس؛ فهذه يجدونها في كل مكان، وبأحسن مما كنتُ أصنع، لكني أرجو أن تكون صورتي في الناس صورة الظلّ؛ يستريح إليه من أقعده التعب، ويأوي فيه من أخفى النبل وأسرّ به.
رحم الله أبًا قد أعانني على برّه بحسن شمائله فأبدى مني الطاعة في حياته، والفخر والوفاء بعد وفاته، وجعل آخرته خيرًا من دنياه؛ اللهم إنه كان لي كما أحب فكن له كما يحب.
من معينات استثمار يوم عرفة:
١- الدخول بروح الرجاء والتهيؤ لرحمة الله.
٢- الاعتزال من بعد الظهر للمغرب ومن لم يستطع فمن العصر.
٣- الصيام.
٤- أخذ كتاب موثوق للدعاء وتكرار ما يمس حاجتك منه.
٥- ترك وقت لدعاء النفس بالحاجات الخاصة التي أعددتها من الليلة.
عيدكم مبارك، تقبل الله منا ومنكم، وجعلنا وإياكم من الموفقين المهديين.
أنا متفائلٌ بمستقبل الإسلام والصلاح والإصلاح مع كل المعطيات الصعبة، وليس هذا وهمًا يُسكِّن الألم، إنما هو مقتضى النظر في كل اتجاه:

١. مقتضى النظر الإيماني.
اليأس من روح الله كبيرةٌ من الكبائر، لأنه في حقيقته اتهامٌ لله بالعجز أو الغفلة. والله الذي قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ لم يُعلِّق وعده بمزاج المتشائمين.

٢. مقتضى النظر العقلي.
الحق يحمل بذور بقائه في ذاته، والباطل يحمل بذور فنائه في طغيانه. وكل نظامٍ بُني على خلاف الفطرة فهو يُنفق من رصيده لا من ربحه، وما أنفق المرء من رصيده إلا نفد.

٣. مقتضى النظر التاريخي.
لم تمت أمةٌ على الإعراض عن الله إلى الأبد. والتاريخ الإسلامي نفسه سلسلةٌ من الانكسارات التي أعقبتها نهضات؛ فبعد التتار جاء الإسلام يمشي على أقدام المغول أنفسهم، وبعد الحروب الصليبية عاد القدس. التاريخ لا يُسعف المتشائمين بشاهد واحد.

٤. مقتضى النظر الواقعي.
الإسلام اليوم أكثر انتشارًا في العالم مما كان قبل قرن، وأعداد المسلمين تتضاعف، والإقبال على الإسلام في الغرب لم يتوقف رغم كل الحملات. الواقع الذي يستشهد به المتشائمون هو واقعٌ منتقى، لا واقعٌ كامل.

٥. مقتضى النظر الفطري.
النفس البشرية مجبولةٌ على التوحيد، وكل إعراضٍ عنه هو عنفٌ تمارسه النفس على نفسها. والعنف لا يدوم، ولا يُطاق إلى الأبد. وما بلغت النفس غاية التيه إلا وجدت أن الطريق الوحيد المتبقي هو طريق العودة.

٦. مقتضى النظر النفسي.
التشاؤم ليس قراءةً موضوعيةً للواقع، بل هو انعكاسٌ للخوف الداخلي على الخارج. والإنسان الخائف يرى الظلام أكثف مما هو، ويرى النور أضعف مما هو. فالمتشائم لا يصف الواقع، بل يصف نفسه.

٧. مقتضى النظر الحضاري.
الحضارات لا تنهار لأن منافسيها أقوى، بل تنهار لأنها تفقد إجابتها على السؤال الكبير: لماذا نحيا؟ والغرب اليوم يفقد هذه الإجابة بصورة مُعلنة، بينما الإسلام يحملها كاملةً. والحضارة التي تفقد معناها لا تحتاج عدوًا خارجيًا ليهزمها.

٨. مقتضى النظر السُّنَني.
سنة الله في الكون أن الليل مهما اشتد فهو يُعلن عن قرب الفجر لا عن موته. والضغط الذي يتعرض له الإسلام اليوم ليس دليلاً على ضعفه، بل هو دليلٌ على أن ثمة قوةً تخشاه وتحاربه، ولا يُحارَب إلا من كان خطرًا.

٩. مقتضى النظر الاجتماعي.
الفراغ الروحي الذي يعيشه الإنسان المعاصر لم يملأه شيء. وكل بديلٍ جُرِّب خرج من التجربة مهزومًا؛ فالمادية أنتجت القلق، والحرية المطلقة أنتجت الوحدة، والإلحاد أنتج العدمية. والإنسان الذي جرَّب كل شيء ولم يجد ما يملأه هو أقرب الناس إلى أن يطرق الباب الذي لم يطرقه بعد.

١٠. مقتضى النظر في طبيعة الحق ذاته.
الحق لا يحتاج إلى ظروف مواتية ليكون حقًا، وهو لا يُهزم حين يُهزم أهله، بل يظل قائمًا في ذاته ينتظر من يحمله. وما ضاع الحق يومًا لأنه باطل، بل ضاع حين خذله أهله، وعاد حين وجد من يحمله ولو كانوا قلةً.

التشاؤم ليس عمقًا ولا بصيرة؛ إنه ضعف النفس حين تُسقط على الغيب ظلالها هي، لا نور الله الذي لا يُطفأ. والشجرة لا تُسقط أوراقها إلا حين تستعد للتجدد؛ فاستعدوا.
من أمارات الإيمان والعقل أن يكون دافع المرء للعمل ضعفه لا قوته.
أمسيتُ بشرّ ليلة بسبب أخبار التصفية الوحشية للدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة.

نمتُ نومًا مقطّعًا، ثم قمتُ أتفكّر؛ كل ما جرى -مهما كان مؤلمًا- جرى وَفق منظومتنا الإيمانية.

كدتُ أظن القبض على أمجد يوسف منتهى العدالة؛ ثم وجدتُ الأيام تعلّمني أن العدل التام لا يكون إلا يوم القيامة، ولو أُعدم ألف مرة، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.

وكدتُ أظن قُبح البشر له حدّ ولشرّهم مدى؛ حتى تكشّفت هذه القضية عمّا رأيتم، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

وكدتُ أظن سؤال الشرّ قدرُنا -لماذا يُقتل الأطفال الأبرياء ببشاعة؟- ثم وجدتُ أن سُنّة المدافعة تأتي بإجابة الخير، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

وكدتُ أظن أن القصاص انتقامٌ لا أكثر؛ ثم وجدتُ فيه حكمةً تحفظ الحياة ذاتها، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وكدتُ أظن أن الطغاة يُفلتون إذا طال بهم الزمن؛ ثم رأيتُ كيف أخذ اللهُ الظلمة بعد سنين التخفّي، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.

وكدتُ أظن أن الألم بلا معنى؛ ثم تأمّلتُ وعلمتُ أن الله لا يُضيع أجر المحسنين ولا دموع المظلومين، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

وكدتُ أظن أن العدوّ الحقيقي هو من يُخاصمك في الدنيا؛ ثم رأيتُ أن العداوة الحقيقية هي عداوة الدين، وأن من حاربك في عقيدتك هو عدوّك الذي لا هوادة معه، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.

وكدتُ أظن أن شريعة البشر تكفي؛ ثم رأيتُ عجزها أمام وحشيّةٍ كهذه، وأيقنتُ أن شريعة الله وحدها هي الأمثل والأرحم والأعدل، وفهمتُ قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

اللهم أرنا أنوار الإيمان تحت ركام الأحزان، وأرنا حكمتك حين تعمى عنها أبصارنا، وثبّت قلوبنا حين تتزلزل الأرض من تحتنا.

اللهم ارحمهم رحمةً تُنسيهم ظلمة الأقبية، وبرد الوحشة، وألم الفراق، واجعل ما جرى لهم آخر أحزانهم، وأوّل منازلهم في الفردوس الأعلى.
انتقل إلى رحمة الله زوج أختي الصغرى: محمد بن معيض آل مرعي العسيري

كان خلوقًا مصليًا، عشنا طفولتنا معًا وما رأيت منه إلا كل خير.
اللهم عوضه في شبابه بالجنة.
اتفقتُ مع مجموعة من الطلاب المقربين على ختمة استهداء في عشر ذي الحجة بعنوان "ختمة كشف الحقائق"، كلٌ يبحث عن حقائق يكشفها القرآن له.
وكانت ختمتي بعنوان: أمراض القلوب بين النفس والشرع.
وقد ظهرت معاني أحمد الله عليها، منها فهم الحسد ودوافعه وسبب شدة النهي عنه مع أنه بادئ النظر شعور داخلي لا يضر غير صاحبه، في سورة يوسف -وحدها- رُزقت بعشرة معاني حول خطورة الحسد:

أولًا: خفاؤه؛ فإخوة يوسف كانوا يُظهرون من البر ما يُرى أمام أبيهم، وفي الخفاء يتآمرون. {قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} — قالوها فيما بينهم لا أمامه.

ثانيًا: قوة داعيه؛ فقد استحكم في إخوة يوسف رغم رابطة الأخوة والدم والنشأة في بيت النبوة، حتى قالوا: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا}.

ثالثًا: صعوبة زواله؛ فبعد سنواتٍ طويلة وبعد كل ما صنعوا، حين وُضع الصواع في رحل أخيه بادروا بقولهم: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}.

رابعًا: تشويهه للمفاهيم النبيلة؛ فالحاسد يُلبس حسده ثوبَ العدل والنصح والصلاح، حتى جعل إخوة يوسف جريمتهم طريقًا للتوبة: {وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.

خامسًا: إفساده الثقةَ بالناصح الحقيقي؛ لأن الحاسد يتلبّس بثوب الناصح فيختلط الأمر على الناس، فيصمت الناصح الصادق خشيةَ أن يُتّهم بالحسد. وقد قال إخوة يوسف لأبيهم: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}.

سادسًا: أنه يجعل المحسود يتحاشى حتى الشكوى؛ لأن في الاعتراف به إقرارًا بالمظلومية، ونحن نأبى أن نظهر ضعفاء، فنسكت عن هذا التفسير الصحيح ونبحث عن غيره. ويعقوب عليه السلام حين أخبروه لم يصرّح باتهامهم بل قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا}.

سابعًا: تعديه إلى من لم يُحسد أصلًا؛ فبنيامين أُدرج في دائرة الحسد لمجرد قربه من يوسف: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا}.

ثامنًا: دفعه إلى تحريف الحقائق واختلاق الكذب؛ فلم يكتفِ إخوة يوسف بالفعل بل زوّروا الدليل: {وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}.

تاسعًا: العمى عن رؤية الفضل في المحسود؛ فحين رأوا عظمة يوسف في مصر لم يتوقفوا ليعترفوا بفضله، بل عند أول فرصة قالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}.

عاشرًا: تضاعفه كلما ازدادت نعمة المحسود؛ حتى إن يعقوب نبّه يوسف على هذا منذ البداية: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}. ومن هنا فإن الحسد يجعلنا نستقبل النعمة بقلقٍ لا بفرح، إذ كلما فُتح لنا بابٌ تذكّرنا أن ثمة من يترقّب ذلك ليكيد.


اللهم جنبنا أمراض القلوب، وأهلها، وارزقنا الفهم عنك.
إن أردتَ لمودةٍ ما أن تدوم، فأبقِها في مرحلة الدهشة المُعلَّقة؛ تلك المرحلة التي لا يزال فيها الآخر يراك بعينٍ لم تألفك بعد، ويشعر أن ثمة في داخلك طبقات لم يبلغها بعد.

فما يفكك الروابط الروحية في الغالب ليس الخلاف، بل الاعتياد.
الأصل في الجسد أن يشقى حركةً وسعيًا، فلما غلبت عليه رفاهية المدنية المعاصرة، اضطررنا لتعويض الفطرة المفقودة بـ«برامج» المشي، وتمارين المقاومة، وحمل الأثقال، والحِمية.

وكذلك الروح والقلب؛ الأصل في المسلم أن يعمر يومه بعبادة الله، وطلب العلم، وحفظ القرآن سياقًا طبيعيًا لحياته، فلما نأت بنا الصوارف ونمط العيش الحديث عن هذا المورد، احتجنا لـ«مشاريع» التحفيظ، والمعاهد الرقمية، ومجموعات القراءة التشاركية.

هذه المبادرات «أجهزة تنفس صناعي» لإنقاذ ما أفسدته الحياة الحديثة.

فاللهم بارك في القائمين عليها.
أتاني أحد الشباب الذين أحبهم يشكو من تخصصه الجامعي، وقد سار فيه سنواتٍ وطوى فيه مدةً لا يستهان بها.

فقلت له: تريد إجابةً مثاليةً أم إجابةً واقعية؟

قال: واقعية.

قلت: في مثل حالك، أنهِ تخصصك وخذ شهادتك ولو لم تكن تحبه.

ثم أضفت: في الحياة بعض الأشياء إخراجها أشد ضررًا من إكمالها، وهذا ما أسميه “قاعدة اللقمة الناشبة”؛ فاللقمة التي علقت في رأس المعدة لا تُخرجها ولا تتركها، بل تجرع ما يُنفذها إلى الأسفل وتمضي، سواءٌ أحببت طعمها أم لم تحبه.
أُدرّس كتاب الشفا منذ مدة، وجمعت ما وسعني من مطبوعه ومخطوطه؛ وجدتُ هذه أجود الطبعات حتى الآن، وهي أحسن (برأيي) من طبعة الفتح والدار الشامية وكوشك، ومن غيرها.
زيارة الأخ للفضفضة:

قال وابصة بن معبد: "إني بالكوفةِ في داري إذ سمعتُ على بابِ الدارِ السلامُ عليكم أألجُ قلتُ : عليكم السلام فلجُ فلمَّا دخل فإذا هو عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ قلتُ : يا أبا عبدِ الرحمنِ أيةُ ساعةِ زيارةٍ هذه وذلك في نحرِ الظهيرةِ قال : طال عليَّ النهارُ فذكرتُ من أتحدَّثُ إليهِ قال : فجعل يُحدِّثني عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأُحدِّثُهُ…"

أخرجه أحمد (4286)، والطبراني (9774) (10/ 8)
من ألطف معاني الزهد وأعمقها، أنه ترك لتعلق القلب بالدنيا، وهو ترك يورث الإنسان مهارة فريدة يمكن تسميتها بـ “أخذ الدنيا -كل الدنيا- على قدر عقلها”.

هذا التجرد يمنحك تمام الراحة ورجاحة العقل؛ فتتعالى على كثير من التفاصيل، وتمضي الأمور بهدوء ومرونة، كأنك تتعامل مع طفل مزعج تريد أن تشتري راحة بالك منه.

هموم تأتي؟ دعها تمر.
شخص مزعج؟ لا تعطه أكبر من حجمه.
كلام جارح بلغ مسمعك؟ تجاوزه.
ذهب عنك شخص؟ في الناس أبدال.
خسرت شيئًا من الدنيا؟ ما عند الله خير وأبقى.
تأخر عنك رزق أو فرصة؟ ما كتب لك لن يخطئك.
ازدحم يومك بالمشكلات؟ غدًا يوم جديد.

وهل الزهد إلا هذا؟ أن تخف الدنيا في عينك، فتخف همومها على قلبك، وتمضي فيها لا تثقلك تفاصيلها، ولا تستعبدك مطالبها.
لستُ مع التفاؤل المخدّر ولا اليأس المعطل؛ نحن في القاع، لكننا أمسكنا السلًم.