التزهيد في كتب العقيدة المسندة عن السلف منكر علمي يجب التحذير منه، والحديث عن غموضها التام تهويل لا يصدر إلا عن جاهل بحقيقتها أو مخالف لما فيها.
أما كونها تحوي على إطلاقات لا تصلح إلا بشيخ شارح فهذا ديدن العلم كله، ولا خصوصية لكتب المعتقد العتيقة به؛ قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
"الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة، … واتفاق الناس على ذلك في الوقوع، وجريان العادة به كاف في أنه لا بد منه، وقد قالوا: «إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال».
وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال". [١]
ولا زلت في عجب ممن يعتقد منهج أهل الحديث والأثر ثم ينصرف عن عقائد السلف المسندة تدريسًا وتعليقًا لطلابه؛ كمعتقد سفيان، وأحمد بن حنبل وابنه، والبخاري، وكتب أبي عبيد، وعثمان بن سعيد، وابن خزيمة، والآجري؛ وغيرهم.
ولا أقل من شرح كتب الإيمان والتوحيد والقدر والصفات وما يتصل بها من كتب الحديث الشهيرة كالبخاري ومسلم وغيرها.
فإذا كانت طريقة خصومك في تقرير عقيدة السلف لا تعجبك، تفضّل؛ اشرحها بطريقتك، واربط الشباب بعقائد السلف، ووطّئ ما شئت عن السياق التاريخي وغيرها من المحترزات؛ لكن اشرحها.
ولو كان المزهد في كتب العقيدة المسندة مخالفًا في الانتساب لها لهان الأمر؛ لكن المتوالية الحاصلة تقول: أنا معظم لأئمة السلف لكن لن أتلقى منهم، وأؤمن أن كتبهم لا تفهم وحدها لإطلاقاتها وسياقاتها لكني لن أشرحها ولن أنشر لمن شرحها ولن أحث الشباب على استشراحها، وأرى صحة معتقد السلف بلسان مقالي لكني بلسان حالي سأراها منسوخة بما بعدها من متون.
———-
أما كونها تحوي على إطلاقات لا تصلح إلا بشيخ شارح فهذا ديدن العلم كله، ولا خصوصية لكتب المعتقد العتيقة به؛ قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
"الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة، … واتفاق الناس على ذلك في الوقوع، وجريان العادة به كاف في أنه لا بد منه، وقد قالوا: «إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال».
وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال". [١]
ولا زلت في عجب ممن يعتقد منهج أهل الحديث والأثر ثم ينصرف عن عقائد السلف المسندة تدريسًا وتعليقًا لطلابه؛ كمعتقد سفيان، وأحمد بن حنبل وابنه، والبخاري، وكتب أبي عبيد، وعثمان بن سعيد، وابن خزيمة، والآجري؛ وغيرهم.
ولا أقل من شرح كتب الإيمان والتوحيد والقدر والصفات وما يتصل بها من كتب الحديث الشهيرة كالبخاري ومسلم وغيرها.
فإذا كانت طريقة خصومك في تقرير عقيدة السلف لا تعجبك، تفضّل؛ اشرحها بطريقتك، واربط الشباب بعقائد السلف، ووطّئ ما شئت عن السياق التاريخي وغيرها من المحترزات؛ لكن اشرحها.
ولو كان المزهد في كتب العقيدة المسندة مخالفًا في الانتساب لها لهان الأمر؛ لكن المتوالية الحاصلة تقول: أنا معظم لأئمة السلف لكن لن أتلقى منهم، وأؤمن أن كتبهم لا تفهم وحدها لإطلاقاتها وسياقاتها لكني لن أشرحها ولن أنشر لمن شرحها ولن أحث الشباب على استشراحها، وأرى صحة معتقد السلف بلسان مقالي لكني بلسان حالي سأراها منسوخة بما بعدها من متون.
———-
[١] الموافقات (١/ ١٤٠)
ثواب الأدب وحسن الخلق لا ينكره أحد؛ لكن الذي قد يغيب عنا أن أدب النفس له وظيفة معرفية تزيد في عقل المرء وسداد رأيه.
انظر إلى التواضع مثلًا؛ فهو في حقيقته اتهام للنفس بالقصور، ومتى اتهم الإنسان نفسه بذلك وجعلها مظنة الغلط =محّص قوله وبحث وتعمق وسأل ودقق وحقق، فيحصل له من الصواب ما لا يحصل للواثق المعتدّ الذي يرمي بالقول من أول خاطر، وذلك من بركات التواضع المعرفية.
وانظر إلى حسن الظن فمع ما فيه من أجر وفضل فهو أيضًا معطى معرفي؛ يقوم على سد فجوات ما لم نختبره بما نظنه من خير في الآخر، وقد استثمر العقلاء هذا الأدب بطريقة معرفية.
في كتاب النكاح، وفي سياق الحديث عن القسم بين النساء توسع محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- في هذه المسألة، وبين حديث عن تثليث وتسبيع أتى بهذه القاعدة المطربة التي أيقظت روحي؛ يقول:
"نقول إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختلف الرواة ظننا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أهنى وأهدى" [1]
وأصل هذا المعنى ما يروى عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنها: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ، فظنّوا به الذي هو أهناه، وأهداه، وأتقاه" [2]
وعليه؛ فالأدب وكافة أعمال القلوب تجعل المرء موفقًا في علمه فوق توفيقه في عمله.
اللهم علّمنا وأدّبنا.
————-
انظر إلى التواضع مثلًا؛ فهو في حقيقته اتهام للنفس بالقصور، ومتى اتهم الإنسان نفسه بذلك وجعلها مظنة الغلط =محّص قوله وبحث وتعمق وسأل ودقق وحقق، فيحصل له من الصواب ما لا يحصل للواثق المعتدّ الذي يرمي بالقول من أول خاطر، وذلك من بركات التواضع المعرفية.
وانظر إلى حسن الظن فمع ما فيه من أجر وفضل فهو أيضًا معطى معرفي؛ يقوم على سد فجوات ما لم نختبره بما نظنه من خير في الآخر، وقد استثمر العقلاء هذا الأدب بطريقة معرفية.
في كتاب النكاح، وفي سياق الحديث عن القسم بين النساء توسع محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- في هذه المسألة، وبين حديث عن تثليث وتسبيع أتى بهذه القاعدة المطربة التي أيقظت روحي؛ يقول:
"نقول إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختلف الرواة ظننا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أهنى وأهدى" [1]
وأصل هذا المعنى ما يروى عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنها: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ، فظنّوا به الذي هو أهناه، وأهداه، وأتقاه" [2]
وعليه؛ فالأدب وكافة أعمال القلوب تجعل المرء موفقًا في علمه فوق توفيقه في عمله.
اللهم علّمنا وأدّبنا.
————-
[1] الحجة على أهل المدينة (3/ 252)
[2] رواه أحمد (3940)، وابن ماجه (19)، وفي بعض النسخ: أهيأه، وأهداه، وأتقاه.
قال ابن مسعود رضي الله عنه :
"إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة : اصرفوه عنه فإني إن يسّرته أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل" [١]
"إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة : اصرفوه عنه فإني إن يسّرته أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل" [١]
[١] أخرجه اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (1219)، وهناد في ((الزهد)) (404)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (9971) باختلاف يسير.
يكثر في النهي عن الخصومات المعاصرة الكلام عنها من باب ضياع الأوقات وشتات التركيز؛ وهذا تهوين من شؤمها. بينما نهى السلف عن الخصومات لأنهم رأوا فيها خطرًا على أصل الاعتقاد وطريق التلقي.
قال البربهاري:
«ما كانت زندقة قط، ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأصحاب الكلام والجدل والمراء والخصومة» [١]
ومن تأمل مآخذ النهي عن الخصومات عند السلف وجدها عظيمة تليق بتعظيم الحق؛ منها:
١- إحداث الشك والحيرة في القلب بمجرد التعرض للخصومات:
قال البربهاري:
«فإن استماعك منهم ـ وإن لم تقبل منهم ـ يقدح الشك في القلب» [٢]
وقال ابن بطة في سياق آخر:
«لقد حيَّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكُلْفة عن ربّه». [٣]
٢- التأثر وتبني المعتقد الباقي:
قال عنر بن عبدالعزيز:
«من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقّل» [٤]
٣- الاضطراب والتلوّن في الدين:
قال ابن الماجشون:
«إنما يريدون أن يفتنوك، أو يأتوا بشبهة فيضلّوك، ولا تقعد معهم».[٥]
وقال إبراهيم النخعي:
«كانوا يكرهون التلوّن في الدين».[٦]
٤- الجرأة في رد الآثار وتحكيم الرأي والهوى في الدين:
قال ابن بطة:
«وتكذيب الآثار، ومكابرة نصّ التنزيل، وتهاون بما قاله الرسول».[٧]
٥- نقض الإجماع وتفريق جماعة المسلمين وذهاب الألفة:
قال ابن بطة:
«ونقض عقدة الإجماع، وتشتيت الألفة، وتفريق أهل الملّة، وشكوك تدخل على الأمة».[٨]
والنهي عن ضياع الأوقات لأنه يؤدي إلى الجدل الذي هذه ثمراته النكدة؛ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون" [٩]
فالخصومة عند السلف لم تكن مجرد جدل طويل يضيع الوقت، وإنما نتيجة لها آثار قبيحة على المعتقد قد ينقل المرء من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى التلوّن، ومن السنة إلى البدعة.
لذا أرى أن ينهى المربون الفضلاء عن متابعة الجدل مع توضيح أثرها، ولا يقال: لا تضيعوا أوقاتكم وحسب؛ فالأمر أشد شناعة، وأقبح مآلًا.
————
[١] شرح السنة (١/ ٨٧).
[٢] شرح السنة (١/ ١٢٤).
[٣] الإبانة الكبرى (١/ ٤٢٢).
[٤] رواه الدارمي (١/ ٣٤٢).
[٥] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٠٥)
[٦] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣٣).
[٧] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣١).
[٨] السابق.
[٩] أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٢٢١٦٤)
قال البربهاري:
«ما كانت زندقة قط، ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأصحاب الكلام والجدل والمراء والخصومة» [١]
ومن تأمل مآخذ النهي عن الخصومات عند السلف وجدها عظيمة تليق بتعظيم الحق؛ منها:
١- إحداث الشك والحيرة في القلب بمجرد التعرض للخصومات:
قال البربهاري:
«فإن استماعك منهم ـ وإن لم تقبل منهم ـ يقدح الشك في القلب» [٢]
وقال ابن بطة في سياق آخر:
«لقد حيَّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكُلْفة عن ربّه». [٣]
٢- التأثر وتبني المعتقد الباقي:
قال عنر بن عبدالعزيز:
«من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقّل» [٤]
٣- الاضطراب والتلوّن في الدين:
قال ابن الماجشون:
«إنما يريدون أن يفتنوك، أو يأتوا بشبهة فيضلّوك، ولا تقعد معهم».[٥]
وقال إبراهيم النخعي:
«كانوا يكرهون التلوّن في الدين».[٦]
٤- الجرأة في رد الآثار وتحكيم الرأي والهوى في الدين:
قال ابن بطة:
«وتكذيب الآثار، ومكابرة نصّ التنزيل، وتهاون بما قاله الرسول».[٧]
٥- نقض الإجماع وتفريق جماعة المسلمين وذهاب الألفة:
قال ابن بطة:
«ونقض عقدة الإجماع، وتشتيت الألفة، وتفريق أهل الملّة، وشكوك تدخل على الأمة».[٨]
والنهي عن ضياع الأوقات لأنه يؤدي إلى الجدل الذي هذه ثمراته النكدة؛ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون" [٩]
فالخصومة عند السلف لم تكن مجرد جدل طويل يضيع الوقت، وإنما نتيجة لها آثار قبيحة على المعتقد قد ينقل المرء من اليقين إلى الشك، ومن الثبات إلى التلوّن، ومن السنة إلى البدعة.
لذا أرى أن ينهى المربون الفضلاء عن متابعة الجدل مع توضيح أثرها، ولا يقال: لا تضيعوا أوقاتكم وحسب؛ فالأمر أشد شناعة، وأقبح مآلًا.
————
[١] شرح السنة (١/ ٨٧).
[٢] شرح السنة (١/ ١٢٤).
[٣] الإبانة الكبرى (١/ ٤٢٢).
[٤] رواه الدارمي (١/ ٣٤٢).
[٥] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٠٥)
[٦] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣٣).
[٧] الإبانة الكبرى (٢/ ٥٣١).
[٨] السابق.
[٩] أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٢٢١٦٤)
ما لذة القادم بعد سفر، ولا النائم عقب سهر؛ بألذّ من حالي حين تتهاوى المهام المكتوبة تحت أقدام الإنجاز بعلامة ✅
Forwarded from قناة محمد القحطاني العلمية
"عمر" و"الرواحل" :
في حج أحد الأعوام دار بيني وبين الشيخ عبدالله الشهراني - رحمه الله - حديث عن الرجل الراحلة، الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة))، وأذكر أنني اقترحت عليه أن ينشئ مجموعة في الواتساب ويسميها "مجموعة الرواحل".
وبعد إنشاء المجموعة طلبت منه أن يكتب مشاركة حول عنوان المجموعة، فاستجاب لطلبي، وجعل مشاركته في ظلال قول الله تعالى في سورة طه: { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }، وأراد أن يبين من خلالها مقومات اختيار الرجل "الراحلة" الذي يعزّ وجوده في دنيا الناس، ويعتمد عليه في جليل المهمات.
فكانت هذه المقالة التي انتشرت فيما بعد بعنوان: "المقاييس والمواصفات العمرية في اختيار الرجال" :
( في تصوري أن أي مشروع دعوي أو خيري يراد له النجاح فلابد - بعد توفيق الله- للقائمين عليه من أن ينظروا- بعد الإخلاص والتجرد - في عوامل كثيرة أهمها أربعة :
١/ الأفكار : وكلما كانت أفكارا إبداعية ومتجددة كانت أكثر نجاحا وتحقيقا للأهداف وجذبا للفئات المستهدفة. والأفكار اليوم لم تعد حكرا على أحد بل - ولله الحمد- صارت توزع على قارعة الطريق عبر وسائل التواصل المختلفة.
٢/ المال : ولا شك أنه عصب الحياة لكل مشروع ولكن الإبداع والجودة في التخطيط والتنفيذ تجلب - بإذن الله- رؤوس الأموال وأربابها والقائمين عليها
٣/ النظام : وأقصد به لوائح المشروع وأنظمته وخططه المختلفة ، وكلما كانت أكثر إحكاما كانت أكثر تحقيقا للأهداف بأقل الجهود وأقل التكاليف وأعظم النتائج.
٤/ الرجال ...ثم الرجال...ثم الرجال :
وهو أهم هذه العوامل على الإطلاق، وهو حجر الزاوية في كل مشروع ، وهو يمثل أزمة تاريخية لا يعرفها إلا من ولي عملا أو قام على مشروع ، والذي يتصور أنه يمكن أن يكون هناك اكتفاء من الرجال الذين يسدون جميع الثغرات المفتوحة فقد أسرف في الخيال ، ولكن من ظفر بواحد منهم فقد ظفر بكنز عظيم فلا يفرط فيه فأعجز الناس من فرط في كسب الرجال وأعجز منه من ضيع الذين ظفر بهم ، وإذا أردت أن تعرف المعاناة من فقد أو ضعف هذا العامل فلتتأمل قصة عمر حينما قال لبعض أصحابه : تمنوا ، فأطلق كل واحد منهم أمنيته من خلال معاناته فقال أحدهم : أتمنى ملء هذا البيت دراهم ودنانير فأنفقها في سبيل الله، وقال الاخر : أتمنى مل ء هذا البيت ذهبا وفضة - وفي رواية : جواهر- فأنفقها في سبيل الله , أما عمر الذي كان على رأس الهرم ويحكم امبراطورية تعدل ما يوازي (١٠) من الدول المعاصرة ، ويشعر بثقل الأمانة وقلة من ينهض بها من الأقوياء الأمناء ، ويرى بعينيه جلد الفاجر وعجز الثقة فأطلق العنان للسانه يتمنى فقال رضي الله عنه : أما أنا فأتمنى ملء هذا البيت رجالا مثل ( ابي عبيدة) - وزاد في رواية - ( معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان) فأستعملهم في سبيل الله.
والسؤال هنا : على أي أساس اختار عمر هؤلاء الثلاثة ؟ وما مقياسه في ذلك؟
والروايات الواردة تبين أن عمر رضي الله عنه استعمل مقياسين للرجال الذين يتمناهم ويريد استعمالهم في أعمالهم:
الأول/ قيل لعمر : لم هؤلاء ؟ فأخذ مالا ثم قسمه بين الثلاثة وأرسله إليهم فما أدخله أحد منهم بيته وإنما قسمه فيمن حوله فقال : ( الم أقل لكم ) أو كلمة نحوها
الثاني / تقول الروايات ( وكان عمر قد استعمل حذيفة على المدائن - أي أرسله أميرا عليها - ثم كتب اليه يطلب قدومه عليه ، فلما قدم الى المدينة وعلم عمر بقدومه خرج وكمن( أي اختبأ) له لينظر بم سيرجع ، فلما رآه رجع كيوم خرج - أي من المدينة- خرج اليه واعتنقه وقال : انت أخي وأنا أخوك ).
مقياسان عمريان رائعان لمعرفة الرجال الحقيقيين: حب المال - حب الجاه والشرف والتصدر. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المء على المال والشرف لدينه". ) انتهى ما كتبه الشيخ عبدالله الشهراني رحمه الله.
أبومجاهد محمد بن عبدالله بن جابر القحطاني - ليلة الأربعاء 19 ربيع الأول 1437 هـ.
في حج أحد الأعوام دار بيني وبين الشيخ عبدالله الشهراني - رحمه الله - حديث عن الرجل الراحلة، الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة))، وأذكر أنني اقترحت عليه أن ينشئ مجموعة في الواتساب ويسميها "مجموعة الرواحل".
وبعد إنشاء المجموعة طلبت منه أن يكتب مشاركة حول عنوان المجموعة، فاستجاب لطلبي، وجعل مشاركته في ظلال قول الله تعالى في سورة طه: { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }، وأراد أن يبين من خلالها مقومات اختيار الرجل "الراحلة" الذي يعزّ وجوده في دنيا الناس، ويعتمد عليه في جليل المهمات.
فكانت هذه المقالة التي انتشرت فيما بعد بعنوان: "المقاييس والمواصفات العمرية في اختيار الرجال" :
( في تصوري أن أي مشروع دعوي أو خيري يراد له النجاح فلابد - بعد توفيق الله- للقائمين عليه من أن ينظروا- بعد الإخلاص والتجرد - في عوامل كثيرة أهمها أربعة :
١/ الأفكار : وكلما كانت أفكارا إبداعية ومتجددة كانت أكثر نجاحا وتحقيقا للأهداف وجذبا للفئات المستهدفة. والأفكار اليوم لم تعد حكرا على أحد بل - ولله الحمد- صارت توزع على قارعة الطريق عبر وسائل التواصل المختلفة.
٢/ المال : ولا شك أنه عصب الحياة لكل مشروع ولكن الإبداع والجودة في التخطيط والتنفيذ تجلب - بإذن الله- رؤوس الأموال وأربابها والقائمين عليها
٣/ النظام : وأقصد به لوائح المشروع وأنظمته وخططه المختلفة ، وكلما كانت أكثر إحكاما كانت أكثر تحقيقا للأهداف بأقل الجهود وأقل التكاليف وأعظم النتائج.
٤/ الرجال ...ثم الرجال...ثم الرجال :
وهو أهم هذه العوامل على الإطلاق، وهو حجر الزاوية في كل مشروع ، وهو يمثل أزمة تاريخية لا يعرفها إلا من ولي عملا أو قام على مشروع ، والذي يتصور أنه يمكن أن يكون هناك اكتفاء من الرجال الذين يسدون جميع الثغرات المفتوحة فقد أسرف في الخيال ، ولكن من ظفر بواحد منهم فقد ظفر بكنز عظيم فلا يفرط فيه فأعجز الناس من فرط في كسب الرجال وأعجز منه من ضيع الذين ظفر بهم ، وإذا أردت أن تعرف المعاناة من فقد أو ضعف هذا العامل فلتتأمل قصة عمر حينما قال لبعض أصحابه : تمنوا ، فأطلق كل واحد منهم أمنيته من خلال معاناته فقال أحدهم : أتمنى ملء هذا البيت دراهم ودنانير فأنفقها في سبيل الله، وقال الاخر : أتمنى مل ء هذا البيت ذهبا وفضة - وفي رواية : جواهر- فأنفقها في سبيل الله , أما عمر الذي كان على رأس الهرم ويحكم امبراطورية تعدل ما يوازي (١٠) من الدول المعاصرة ، ويشعر بثقل الأمانة وقلة من ينهض بها من الأقوياء الأمناء ، ويرى بعينيه جلد الفاجر وعجز الثقة فأطلق العنان للسانه يتمنى فقال رضي الله عنه : أما أنا فأتمنى ملء هذا البيت رجالا مثل ( ابي عبيدة) - وزاد في رواية - ( معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان) فأستعملهم في سبيل الله.
والسؤال هنا : على أي أساس اختار عمر هؤلاء الثلاثة ؟ وما مقياسه في ذلك؟
والروايات الواردة تبين أن عمر رضي الله عنه استعمل مقياسين للرجال الذين يتمناهم ويريد استعمالهم في أعمالهم:
الأول/ قيل لعمر : لم هؤلاء ؟ فأخذ مالا ثم قسمه بين الثلاثة وأرسله إليهم فما أدخله أحد منهم بيته وإنما قسمه فيمن حوله فقال : ( الم أقل لكم ) أو كلمة نحوها
الثاني / تقول الروايات ( وكان عمر قد استعمل حذيفة على المدائن - أي أرسله أميرا عليها - ثم كتب اليه يطلب قدومه عليه ، فلما قدم الى المدينة وعلم عمر بقدومه خرج وكمن( أي اختبأ) له لينظر بم سيرجع ، فلما رآه رجع كيوم خرج - أي من المدينة- خرج اليه واعتنقه وقال : انت أخي وأنا أخوك ).
مقياسان عمريان رائعان لمعرفة الرجال الحقيقيين: حب المال - حب الجاه والشرف والتصدر. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المء على المال والشرف لدينه". ) انتهى ما كتبه الشيخ عبدالله الشهراني رحمه الله.
أبومجاهد محمد بن عبدالله بن جابر القحطاني - ليلة الأربعاء 19 ربيع الأول 1437 هـ.
كتيبة المشاة التربوية:
—————————-
في كتاب حسنين هيكل عن الخميني "مدافع آيات الله" تكلم في فصل عن فكرة أن القدرة على الهدم لا تعني القدرة على البناء.
سمى هذا الفصل "مدفعية بدون مشاة"[١]؛ ونحن نشبه هذه الفكرة بوظيفة المنظّر والمربي المعايش؛ فنشبّه من يلقي بالأفكار والنظريات عن بُعد بسلاح المدفعية: تلقى من مسافات شاسعة، تصيب المباني الظاهرة ولا تهم الدقة.
أما المربي المعايش المخالط لطلابه الصابر على اختلاف أحوالهم وقدراتهم وأفكارهم فمثله مثل سلاح المشاة، يدخل للمدينة فيسيطر عليها بهدوء، ويعرف تفاصيلها تمامًا.
ولا أزال في عجب وطرب من وصف عائشة رضي الله عنها للمربي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن شقيق قال:
قلت: لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم، بعد ما حطمه الناس" [٢]
وفي معناه قال الأزهري في «تهذيب اللغة»: يقال: "وحطم فلانًا أهله؛ إذا كبر فيهم، كأنهم صيروه شيخًا محطومًا بطول الصحبة" [٣]
والعرب لا تسمي الصوت حطامًا إلا لما يبس؛ فهذه أبلغ في الوصف.
إلى المربين الفضلاء الذين حطمهم الشباب بطول الصحبة:
هنيئًا لكم هذا الرباط، هنيئًا لكم الأجر والأثر، آواكم الله، قواكم الله، ثبتكم الله.
————
—————————-
في كتاب حسنين هيكل عن الخميني "مدافع آيات الله" تكلم في فصل عن فكرة أن القدرة على الهدم لا تعني القدرة على البناء.
سمى هذا الفصل "مدفعية بدون مشاة"[١]؛ ونحن نشبه هذه الفكرة بوظيفة المنظّر والمربي المعايش؛ فنشبّه من يلقي بالأفكار والنظريات عن بُعد بسلاح المدفعية: تلقى من مسافات شاسعة، تصيب المباني الظاهرة ولا تهم الدقة.
أما المربي المعايش المخالط لطلابه الصابر على اختلاف أحوالهم وقدراتهم وأفكارهم فمثله مثل سلاح المشاة، يدخل للمدينة فيسيطر عليها بهدوء، ويعرف تفاصيلها تمامًا.
ولا أزال في عجب وطرب من وصف عائشة رضي الله عنها للمربي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن شقيق قال:
قلت: لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم، بعد ما حطمه الناس" [٢]
وفي معناه قال الأزهري في «تهذيب اللغة»: يقال: "وحطم فلانًا أهله؛ إذا كبر فيهم، كأنهم صيروه شيخًا محطومًا بطول الصحبة" [٣]
والعرب لا تسمي الصوت حطامًا إلا لما يبس؛ فهذه أبلغ في الوصف.
إلى المربين الفضلاء الذين حطمهم الشباب بطول الصحبة:
هنيئًا لكم هذا الرباط، هنيئًا لكم الأجر والأثر، آواكم الله، قواكم الله، ثبتكم الله.
————
[١] ص٢٣٥ وما بعدها.
[٢] أخرجه مسلم (٧٣٢) والنسائي (١٦٥٧)، وأحمد (٢٥٨٢٩) بلفظه مطولًا، وأبو داود (٩٥٦) مطولًا باختلاف يسير.
[٣] تهذيب اللغة (٤/ ٢٣١)
الدرس الذي تجرّ نفسك إليه وقد أثقلك همٌ أو مرض ألذّ من ذلك الذي تطير إليه بجناح الخفة والتلذذ.
لا أدري؛ ولكن كأنّ العبد يقدم هذه القيود قرابين مبرهنة على صدق تعبده بالعلم في منشطه ومكرهه، وأن باعثه حقيقة ليس مجرد الميل والمزاج.
لا أدري؛ ولكن كأنّ العبد يقدم هذه القيود قرابين مبرهنة على صدق تعبده بالعلم في منشطه ومكرهه، وأن باعثه حقيقة ليس مجرد الميل والمزاج.
يرى المؤمن علامات وعلامات على حقارة الدنيا ودناءتها؛ ومن ذلك: أن يبذل همه ووقته وجهده لمن لا يستحق ويترك بذل نصف هذا لمن يستحق.
وهذا مقطع جزئي كاشف لتقديم الأدنى على الأعلى الذي هو طبيعة الحياة الدنيا، ومن تأمل وجد وجوهًا أكثر.
وهذا مقطع جزئي كاشف لتقديم الأدنى على الأعلى الذي هو طبيعة الحياة الدنيا، ومن تأمل وجد وجوهًا أكثر.
Forwarded from عبدالرحمن المُشِدّ (للدراسات القرآنية)
المجلس السابع الليلة بمشيئة الله
10:00م بتوقيت مكة ومصر
غرفة الزووم
🌐 https://us02web.zoom.us/j/88398369641
رابط اليوتيوب
https://www.youtube.com/@HebaElsherbeny-u3t
10:00م بتوقيت مكة ومصر
غرفة الزووم
🌐 https://us02web.zoom.us/j/88398369641
رابط اليوتيوب
https://www.youtube.com/@HebaElsherbeny-u3t
Zoom
Join our Cloud HD Video Meeting
Zoom is the leader in modern enterprise cloud communications.
Forwarded from جمعية المقارئ القرآنية - أبها
فتح باب التسجيل
برنامج ضبط وتحقيق الأداء القرآني - حُسن الأداء
في مدينة (أبها) بالتعاون مع (جامع الإحسان) بالمنسك
الفئة: حُفَّاظ وحافظات القرآن الكريم
⏪ المسارات:
1- ضبط وتحقيق الأداء.
2- استقطاب المقرئين وتأهيلهم رواية ودراية.
⏪ مدة التسجيل: 1-8 ربيع الأول 1448هـ
⏪ رابط التسجيل: https://forms.gle/QhtnaASnWVKjmwSt6
برنامج ضبط وتحقيق الأداء القرآني - حُسن الأداء
في مدينة (أبها) بالتعاون مع (جامع الإحسان) بالمنسك
الفئة: حُفَّاظ وحافظات القرآن الكريم
⏪ المسارات:
1- ضبط وتحقيق الأداء.
2- استقطاب المقرئين وتأهيلهم رواية ودراية.
⏪ مدة التسجيل: 1-8 ربيع الأول 1448هـ
⏪ رابط التسجيل: https://forms.gle/QhtnaASnWVKjmwSt6
تفكرت في أعظم لذّات الدنيا فإذا هي: أن تُرخي قواك الإدراكية اطمئنانًا؛ وعليه فنحن نستلذّ مجالس الأنس مع من نحب لأننا نعطل قوانا الإدراكية اختيارًا، ونهدئ التحفز الذي يجعلنا نحسب كل كلمة وحركة وسكَنة.
بهذا الفهم أنظر للوعيد الشديد المحتفّ بالخمر، وكذا أنظر للثواب العظيم للتسليم والرضا بالأقدار.
فإن قلتَ لي: ما علاقة شناعة الخمر بعظمة التسليم والرضا بالقدر؟
أجيبك: شرب الخمر لذة ملعونة؛ لأنه إرخاء للقوى الإدراكية هروبًا إلى قياد شهوتك، أما التسليم فهو تعطيل اختياري إيماني لقوانا الإدراكية اتكالًا على ما نؤمن به من حكمة الله وعلمه ورحمته.
بهذا الفهم أنظر للوعيد الشديد المحتفّ بالخمر، وكذا أنظر للثواب العظيم للتسليم والرضا بالأقدار.
فإن قلتَ لي: ما علاقة شناعة الخمر بعظمة التسليم والرضا بالقدر؟
أجيبك: شرب الخمر لذة ملعونة؛ لأنه إرخاء للقوى الإدراكية هروبًا إلى قياد شهوتك، أما التسليم فهو تعطيل اختياري إيماني لقوانا الإدراكية اتكالًا على ما نؤمن به من حكمة الله وعلمه ورحمته.
من أصناف الكرام المغفول عنهم؛ من كان كريمًا براحته.
ذاك الذي تجده باذلًا لوقته وفكره وصفاء ذهنه وكل هذا لا يُقدّر بثمن.
ذاك الذي تجده باذلًا لوقته وفكره وصفاء ذهنه وكل هذا لا يُقدّر بثمن.
سنفور الغضب العلمي:
يعرف جيلي شخصية سنفور غضبان الكرتونية؛ لا يكاد يُقال له: «صباح الخير»، حتى يجيب: «أكره الصباح!» ولا يُسأل عن شيء إلا جعل جوابه: «أكره!» كأنما خُلقت الدنيا كلها لتكون مادةً لغضبه.
كبرنا، وانطفأت شاشة الطفولة، غير أن سنفورًا آخر انتقل من الرسوم إلى الكتب، ومن الشاشة إلى المجالس، ومن عالم الخيال إلى حياتنا العلمية.
إنه سنفورنا العلمي: لا يعجبه أحد، ولا يرضيه كتاب، ولا يمرّ بجهد إلا فتّش فيه عن ثغرة؛ فإن وجدها أقام لها مأتمًا، وإن لم يجدها اخترعها، ثم يخرج مزهوًّا بأنه هدم صرحًا لم يضع فيه حجرًا.
إذا مُدح كتاب قال: بالغوا. وإذا ذُكر عالم قال: نعم، له شيء، ولكن عيوبه أكثر. وإذا أُثني على باحث لم ير من سهره إلا مسألةً لم يستوفها، كأن العمل لا يُحمد حتى يبلغ الكمال في كل جزئية.
لا أقصد أحدًا بعينه -والله- ولكنها ظاهرة لا تخفى على ذي عينين نستطيع وصفها بأنها: اكتئاب نقدي حاد، لا يرى صاحبه في الحياة إلا ما ينقصها، ولا في الأعمال إلا ما يعكرها، ولا في الرجال إلا ما يسقطهم من أعين الناس.
وعمله هذا ليس من النقد في شيء؛ فالنقد الحق بصيرة وإنصاف، يرى الحسن والخلل معًا، ويجعل من كشف العيب طريقًا إلى تهذيب العمل، لا إلى تحطيم صاحبه. أما سنفورنا، فلا يقرأ الكتاب ليعرف ما فيه، بل ليظفر بما يعترض به عليه؛ يبحث عن نقص جزئي ليشعر نفسه بالكمال، ويحوّل زلةً في صفحة إلى حكم على الكتاب كله.
ولا أدري: أهو يحاول إقناع الناس، أم يحاول—قبلهم—إقناع نفسه؟ لعلّه يعلم في قرارة نفسه أنه قعد عن العمل، وأن يده خلت من أثر، فيعمد إلى إنزال العاملين عن مقاماتهم، حتى يبدو قعوده اختيارًا، وعجزه موقفًا، وفراغه استقلالًا. فإذا سوّى بين من عمل ومن لم يعمل، اطمأن ضميره إلى أنه لم يتخلف، وإنما أبصر ما لم يبصره العاملون!
وما أشدّ حيلة النفس حين تريد أن تستر عجزها: تجعل الكسل نقدًا، والفراغ تفرغًا، والعجز تحررًا من أوهام الإنجاز، ثم تمنح صاحبها راحةً كاذبة؛ فلا هو بنى، ولا هو رضي أن يعترف بأنه لم يبنِ.
وقد يدخل الحسد باب النقد، فيجعل الناقد عاليًا بمن يحب، نازلًا بمن يبغض، ثم يلبس انفعاله ثوب العلم. ولو قدّم العامل تسعًا وتسعين حسنة، لظل المتعنت يبحث عن الحسنة التي لم يقدمها، ليجعلها عنوان العمل كله.
له تلويحة الغاضب على الساحل، وللعاملين كنوز البحر وأمواجه؛ يلتقط حصاةً من الشاطئ، ثم يلوّح بها للبحر كأنه ظفر عليه.
فليعلم سنفورنا العلمي أن رؤية النقص ليست كمالًا، وأن إسقاط الناس ليس رفعة، وأن من لم يستطع أن يضيء الطريق فليس له أن يطفئ مصابيح السائرين.
يعرف جيلي شخصية سنفور غضبان الكرتونية؛ لا يكاد يُقال له: «صباح الخير»، حتى يجيب: «أكره الصباح!» ولا يُسأل عن شيء إلا جعل جوابه: «أكره!» كأنما خُلقت الدنيا كلها لتكون مادةً لغضبه.
كبرنا، وانطفأت شاشة الطفولة، غير أن سنفورًا آخر انتقل من الرسوم إلى الكتب، ومن الشاشة إلى المجالس، ومن عالم الخيال إلى حياتنا العلمية.
إنه سنفورنا العلمي: لا يعجبه أحد، ولا يرضيه كتاب، ولا يمرّ بجهد إلا فتّش فيه عن ثغرة؛ فإن وجدها أقام لها مأتمًا، وإن لم يجدها اخترعها، ثم يخرج مزهوًّا بأنه هدم صرحًا لم يضع فيه حجرًا.
إذا مُدح كتاب قال: بالغوا. وإذا ذُكر عالم قال: نعم، له شيء، ولكن عيوبه أكثر. وإذا أُثني على باحث لم ير من سهره إلا مسألةً لم يستوفها، كأن العمل لا يُحمد حتى يبلغ الكمال في كل جزئية.
لا أقصد أحدًا بعينه -والله- ولكنها ظاهرة لا تخفى على ذي عينين نستطيع وصفها بأنها: اكتئاب نقدي حاد، لا يرى صاحبه في الحياة إلا ما ينقصها، ولا في الأعمال إلا ما يعكرها، ولا في الرجال إلا ما يسقطهم من أعين الناس.
وعمله هذا ليس من النقد في شيء؛ فالنقد الحق بصيرة وإنصاف، يرى الحسن والخلل معًا، ويجعل من كشف العيب طريقًا إلى تهذيب العمل، لا إلى تحطيم صاحبه. أما سنفورنا، فلا يقرأ الكتاب ليعرف ما فيه، بل ليظفر بما يعترض به عليه؛ يبحث عن نقص جزئي ليشعر نفسه بالكمال، ويحوّل زلةً في صفحة إلى حكم على الكتاب كله.
ولا أدري: أهو يحاول إقناع الناس، أم يحاول—قبلهم—إقناع نفسه؟ لعلّه يعلم في قرارة نفسه أنه قعد عن العمل، وأن يده خلت من أثر، فيعمد إلى إنزال العاملين عن مقاماتهم، حتى يبدو قعوده اختيارًا، وعجزه موقفًا، وفراغه استقلالًا. فإذا سوّى بين من عمل ومن لم يعمل، اطمأن ضميره إلى أنه لم يتخلف، وإنما أبصر ما لم يبصره العاملون!
وما أشدّ حيلة النفس حين تريد أن تستر عجزها: تجعل الكسل نقدًا، والفراغ تفرغًا، والعجز تحررًا من أوهام الإنجاز، ثم تمنح صاحبها راحةً كاذبة؛ فلا هو بنى، ولا هو رضي أن يعترف بأنه لم يبنِ.
وقد يدخل الحسد باب النقد، فيجعل الناقد عاليًا بمن يحب، نازلًا بمن يبغض، ثم يلبس انفعاله ثوب العلم. ولو قدّم العامل تسعًا وتسعين حسنة، لظل المتعنت يبحث عن الحسنة التي لم يقدمها، ليجعلها عنوان العمل كله.
له تلويحة الغاضب على الساحل، وللعاملين كنوز البحر وأمواجه؛ يلتقط حصاةً من الشاطئ، ثم يلوّح بها للبحر كأنه ظفر عليه.
فليعلم سنفورنا العلمي أن رؤية النقص ليست كمالًا، وأن إسقاط الناس ليس رفعة، وأن من لم يستطع أن يضيء الطريق فليس له أن يطفئ مصابيح السائرين.
ينبغي للشيخ أن يحتدّ أحيانًا على تلميذه الذكي الذي يضيع مقدارته الذهنية في غير نفع.
قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.
قال ابن الملقّن: "من كان فيه فهم وقبول للعلم فلا يضيع نفسه بإهماله بل يقبل عليه ويهتم به" [١]
—————
قال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.
قال ابن الملقّن: "من كان فيه فهم وقبول للعلم فلا يضيع نفسه بإهماله بل يقبل عليه ويهتم به" [١]
—————
[١] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣/ ٤١٥)؛ هذا النقل موجود في فتح ابن حجر ونسبته لابن الملقن أمثل، فقد بيض التوضيح قبل أن يشرع الحافظ في الفتح، مع أن كون هذا النقل موجودًا في نسخة التوضيح البغدادية المتأخرة وحدها يجعل الجزم محل نظر؛ فليحرر.
في سيرة المحقق المستشرق: جورج مقدسي عبرة؛ ففي أثناء دراسته الجامعية انقطعت به النفقة، واضطر لتأجيل دراسته والعمل لتحصيل المال، ثم عاد للدراسة بروحٍ أخرى، ولازمته حسرة الفوت طوال عمره، فقد كان يشعر بأن فترة انقطاعه جعلته متأخرًا عن أقرانه، فصار يطوي المراحل بجد، وكلما كلّت نفسه تذكر أنه مسبوق فنهض.
وقد ذكر من مرارة الانقطاع ما يشجي، وكان يشرح بفخر تقليص الفجوة العمرية بينه وبين من سبقه من أقرانه.
واستمر شعور حسرة الفوت معه نحو ستة عقود حتى وفاته؛ حتى أنه وبعد بلوغه الثمانين لازال ينشر مجتهدًا، وعينه على مدة الانقطاع الجامعية القديمة، ظلّ يكتب حتى وفاته؛ بل نشر له بحث جاد بعد وفاته بعام عنوانه: Universities: Past and Present.
ما أريد قوله أنه قد يكون في التأخير خير، وأن حطام نفوسنا قد يتشكل على صورة سُلّمٍ يرتقي بنا في المعالي؛ والحمد لله على حلو القضاء ومرّه.
وقد ذكر من مرارة الانقطاع ما يشجي، وكان يشرح بفخر تقليص الفجوة العمرية بينه وبين من سبقه من أقرانه.
واستمر شعور حسرة الفوت معه نحو ستة عقود حتى وفاته؛ حتى أنه وبعد بلوغه الثمانين لازال ينشر مجتهدًا، وعينه على مدة الانقطاع الجامعية القديمة، ظلّ يكتب حتى وفاته؛ بل نشر له بحث جاد بعد وفاته بعام عنوانه: Universities: Past and Present.
ما أريد قوله أنه قد يكون في التأخير خير، وأن حطام نفوسنا قد يتشكل على صورة سُلّمٍ يرتقي بنا في المعالي؛ والحمد لله على حلو القضاء ومرّه.